محمد سعيد رمضان البوطي
329
فقه السيرة ( البوطي )
ومر الجيش مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالحجر - وهي منازل ثمود - فقال لأصحابه : « لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم ، أن يصيبكم ما أصابهم ، إلا أن تكونوا باكين » ، ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي « 1 » . ثم إن النبي صلى اللّه عليه وسلم قفل راجعا إلى المدينة ، فلما أشرفوا على المدينة قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه : « هذه طابة ، وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه » « 2 » وقال لأصحابه : « إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم » ، قالوا : يا رسول اللّه ، وهم بالمدينة ؟ قال : « وهم بالمدينة ، حبسهم العذر » « 3 » . وقدم المدينة عليه الصلاة والسلام في رمضان من السنة نفسها ، فيكون قد غاب قرابة شهرين . أمر المخلفين ولما دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة بدأ بالمسجد ، فصلّى فيه ركعتين ، ثم جلس للناس فجاءه المخلفون وطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا ، فقبل منهم علانيتهم واستغفر لهم ، وأرجأ أمر كعب بن مالك وصاحبيه إلى أن نزلت آيات بقبول توبتهم . وقد روى كعب رضي اللّه عنه خبره في ذلك - في حديث طويل رواه البخاري ومسلم - وجاء فيه قوله : كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة . . وطفقت أغدو لكي أتجهز مع المسلمين ، فأرجع ولم أقض شيئا ، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه - أي لن يعيقني شيء عن سرعة التجهز - فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجدّ ولم أقض من جهازي شيئا ، ولم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو - أي خرجوا وفاتوا - وهممت أن أرتحل فأدركهم - وليتني فعلت - فلم يقدّر لي ذلك ، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فطفت فيهم ، أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموسا بنفاق أو رجلا ممن عذر اللّه من الضعفاء . . ولما أبلغني أنه توجه قافلا حضرني همّي ، فطفقت أتذكر الكذب ، وأقول : بماذا سأخرج من سخطه
--> ( 1 ) متفق عليه . ( 2 ) متفق عليه . ( 3 ) متفق عليه ، البخاري : 5 / 136 ، ومسلم : 5 / 49 .